أحمد بن علي القلقشندي

33

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وينهي أنّ مولانا لا يزال حاجّا إلى كعبة الحرم ، أو كعبة الكرم ، وطائفا بشعائر الوفود ، أو بشعائر الجود ، وواقفا بموقف الاستفتاح ، أو موقف السّماح ، وناحر البدن ( 1 ) بمنى ( 2 ) ، أو ناثر البدر للمنى ، فلا يرتفع في حال من الأحوال برّه ، ولا ينقطع عن اللَّه تعالى ذكره ، ومن كان بهذه المثابة ، في إحراز الأجر والإنابة ، فهو حقيق أن تعمر بالتهنئة أوقاته وأزمانه ، كما عمرها سعيه وإحسانه ، وقد عرف المملوك انكفاءه - أدام اللَّه علوّه - عن مقام الطائفين والعاكفين ، إلى مقام القاصدين والمعتفين ، وعوده إلى منزله المعمور ، بعد قضائه فريضة السّعي المشكور ، فعدلت في مخاطبته عن الهناء إلى الدعاء بأن يتقبّل اللَّه تعالى نسكه ويثقّل ميزانه ، ويطلق في حلبة الخيرات عنانه ، ويحييه لأجر يحرزه ، وثواب يكنزه ، واللَّه تعالى يجيب ذلك فيه ، ويريه في نفسه وأحبّته ما يرتضيه . ومن ذلك : وتنهي أنّه قد طرقني البشير بانكفاء مولانا إلى مقرّ علائه ، وانفصاله عن ملاذ النّسّاك والعبّاد ، إلى معاذ الزّوّار والقصّاد ، فعرفت أنّ ذلك النسيم العليل من تلقائه ، وذلك النّور الصادع من آلائه ، وذلك الافترار من أسرّته ومخايله ، وتلك العذوبة من شيمه وشمائله ، فكاد المملوك يطير - لو طار قبلي غير ذي مطار - فرحا ، وأخرق الأرض وأبلغ الجبال لو أمكن ذلك مرحا ، وانفتح قلبي حتّى كادت مهجته تفيض سرورا ، وطاش حلمي حتّى تفرّق مجموعه بهجة وحبورا ، واللَّه تعالى يجعل نعمه موصولة الحبل ، مجموعة الشّمل ، بمنّه وكرمه .

--> ( 1 ) البدن : ج بدنة ، والبدنة من الإبل والبقر ، كالأضحية من الغنم ، تهدى إلى مكة ، للذكر والأنثى . القاموس المحيط ( بدن ) . ( 2 ) منى : بكسر الميم ، تصرف ولا تصرف ، وهي بليدة على ثلاثة أميال من مكة ، ما بين العقبة ووادي محسر ، تعمّر أيام الموسم وتخلو بقيّة السنة إلَّا ممن يحفظها ، وعلى رأس منى من نحو مكة عقبة ترمى عليها الجمرة يوم النحر ، سمّيت بذلك لأن الكبش مني بها ، أي ذبح . معجم البلدان ( ج 5 ص 198 ) وتهذيب الأسماء واللغات ( ق 2 ج 1 ص 157 - 158 ) .